أبو الليث السمرقندي
406
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عن ذلك تكذيبهم إياه فقال : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني : من القرآن وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني : كأنك لم تبلغ شيئا من رسالته ، لأنه أمر بتبليغ جميع الرسالة . فإذا ترك البعض صار بمنزلة التارك للكل . كما أن من جحد آية من كتاب اللّه تعالى صار جاحدا للجميع ، ويقال : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ يعني : فما بلغت المبلغ الذي تكون رسولا وروى « سمرة بن جندب » ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أيّها النّاس إنّما أنا بشر مثلكم فإن كنتم تعلمون أنّي قد قصّرت عن شيء من تبليغ رسالات ربّي فأخبروني حتّى أبلّغ رسالات ربّي كما ينبغي لها أن تبلّغ » فقام الناس ، فقالوا : نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ، ونصحت لأمتك ، وقضيت الذي عليك . وروى مسروق عن عائشة قالت : من حدّثك أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كتم شيئا من الوحي ، فقد كذب . ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية . ثم قال : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ يعني : اليهود ويقال : كيد الكفار . وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحرسه أصحابه بالليل ، حتى نزلت هذه الآية فخرج إليهم وقال : « لا تحرسوني فإنّ اللّه قد عصمني من النّاس » . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني : لا يرشدهم إلى دينه ، ويقال : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا أبالي من خذلني من اليهود ومن نصرني » قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر . فما بلغت رسالاته بلفظ الجماعة . وقرأ الباقون : رِسالَتَهُ بلفظ الواحد يغني عن الجماعة . ثم علّمه كيف يبلغ الرسالة فقال : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين ولا ثواب لأعمالكم حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني : تعملوا بما في التوراة ، والإنجيل وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني : حتى تقروا بما أنزل على نبيكم صلى اللّه عليه وسلم من القرآن ، وتعملوا به . ثم قال : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً يعني : تماديا بالمعصية ، وكفرا بالقرآن . يعني : إنما عليك تبليغ الرسالة والموعظة ، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء . فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ يعني : لا تحزن عليهم إن كذبوك . وروى محمد بن إسحاق بإسناده عن ابن عباس أنه قال : جاء رافع بن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الضيف ، وقالوا : يا محمد : ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ وتؤمن بما عندنا من التوراة ؟ وتشهد أنها من اللّه حق ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بلى ولكنّكم أحدثتم ، وجحدتم ما فيها ممّا أخذ عليكم من الميثاق ، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للنّاس فبرئت من إحداثكم » . فقالوا : فإنّا قد آمنا بما في أيدينا ، وإنا على الهدى والحق ، ولا نؤمن بك ، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ .